المحقق البحراني

85

الكشكول

وسلمه إلى سملق فأخذه ومضى به حتى ورد المدينة ومر على دار زوجة التاجر فوجدها واقفة تنتظره ، فلما رأته وثبت إليه وتظاهرت بمكرها وأظهرت له محاسنها وقالت : هكذا تتركني وتمضي عني وأنا في انتظارك فأنعم إلى الدار ، ثم دخلت ودخل معها فلما أجلسته أقبلت عليه تلاطفه في الكلام وتلاعبه وتمازحه وتقبله ، ثم أحضرت له شيئا من الطعام فأكل حسب كفايته وطلب منها المواصلة فامتنعت وقالت : عليك بالشراب أولا ، ثم أخذت تسقيه حتى غلب عليه السكر فأخذت الكتاب وكتبت بدله تقول فيه : ( أما بعد السلام عليك يا أماه فإني قد وقفت على ما كتبت لي في حق الزاهدة فاعلمي اني قد رأيت مناما في حقها إنها زانية فاجرة وقد ظهر لي أن أولادها ليس مني فحال وقوفك على كتابي قيدي هذه الفاجرة قيدا ثقيلا وضعيها وأولادها في صندوق وسلميها إلى عبدي رشيد ليلقيها في البحر ، ولا تظهري أمرها واكتمي أثرها إلى قدومي والسلام ) ثم طوته وجعلته في طي عمامته وتركته وهربت عنه ، فلما كان بعد ساعات انتبه سملق من سكره فلم يرها فاغتاظ لذلك وقال في نفسه : أنا لم أعرف ما غرضها مني ثم مضى إلى دار الملك وسلم الكتاب فقرأته أم الملك وفهمت ما فيه وحزنت لذلك حزنا شديدا ، ثم قامت إليها وقيدتها وغلت عنقها ووضعتها مع ولديها في صندوق زجاج ودعت برشيد وقالت له : خذ هذا الصندوق وألقه بالبحر ولا تظهر هذا الأمر فأخذه رشيد ووضعه في شحتور وقصد به البحر فبينما هو سائر وإذ قد سمع ضجيج وتضرع من داخل الصندوق وقائلا يقول هذه الأبيات : تغل يدي إلى عنقي * ولا خانت ولا سرقت وبين جوانحي كبد * أحسن بها إذا احترقت وحقك يا منى قلبي * يمينا بالذي عشقت فلو قطعتها قطعا عن * الأحباب ما افترقت فيا رباه لي نفس * يذكرك في الجوى نطقت فما ذنبي وما خطئي * وطاعاتي لكم صدقت فلما سمع رشيد كلام الزاهدة علم أن في الصندوق شخصا ففتحه فوجد فيه امرأة مقطوعة اليدين والرجلين ومعها ولدان فقال لها : أخبريني ما كان ذنبك حتى فعلوا بك هذا الفعال ؟ فقالت : لا تسأل عما لا يعنيك ، فعلم أنها مظلومة فقال : لا واللّه لا ألقيها في البحر فأكون مؤاخذا بها ، ثم سار إلى ساحل البحر وتركها وولديها وملأ الصندوق حجارة ورماه في البحر ورجع .